الفقد: ما بين سطور الحنين والماضي
أكتب لك من عمق التجربة، من ثنايا الأوجاعِ والحرمان، أسطُرُ لك مخاوفنا جميعًا .. نجعل هذا المقال نقطةَ تماسٍّ لكلِّ مَنْ ذاق كأسَ الحرمان، ولُطِّخ بأثرِه أمدًا طويلًا، كثيرٌ مِنَّا، بل جميعنا تعرَّض لذلك الألم، ليس بكائنٍ فقط، بل بالأحلام، والهويَّة، وسلب الأيام أماننا بمخالبها السوداء .. إنَّه النقطة التي تَبتر شيئًا ما داخلنا ولا تعود .. إنَّه الفقد.
• الفقد كجزء من التجربة الإنسانية:
بين الحنينِ والماضي خيطٌ رفيع اسمه "المقاومة"، تلك المقاومة التي تدفعنا لِأَن نُكمل حيث ركدت أرواحنا، نسعى على حرفٍ، ونتشبثُ بقوةٍ صغيرة تبثُّ الأمل في بذرة يأسنا المعطوبة، بكلماتٍ نابضة من قلبٍ ذاق ذات الألم، أنعِي قلوبكم وآلامكم جميعًا، أخاطب أرواحكم التي ذاقت أو ستذوق ذاك الألم، فهو كأسٌ بقدرٍ محتوم، لا بدّ والشراب منه.
كلنا سنفقد في وقتٍ من الأوقات سواء كان حُلمًا، أو شخصًا، أو هويَّة، أو أمانًا طالما حلمنا به.
في البدايةِ نرى الحياة حولنا راكدة، ودموعنا لا تجف، يُصيبنا الحنين، ويغزونا على مضضٍ، يُعدّ نومنا خيانةً، والبسمة نزوحًا عن الألم وصندوق الذاكرة، ولكنَّها في الحقيقة رسالات، وبواعثٌ من سماءِ الفقد، تُخبرنا بأننا ما زلنا على قيد الحياة، وأنَّ العيشَ لم يكن جريمةً يومًا، بل حريَّة وُلدَت من قفصِ الأيام التي غلبتنا...
ويبقى السؤال هل رحل الموتى حقًا؟!
• ردود أفعالنا على الغياب بعد الفقد:
ممّا لا شك فيه أنَّ طبيعتنا الإنسانية تتأثَّر كثيرًا بالفقد، ومن إيجابيات ذلك هو التذكرة بأنَّنا ما زلنا أحياء، نستطيع التفرقة بين المشاعر الإنسانية، وعدم التخبط فيما بينها، وفيها كتب محمود درويش: "يموت من لا يُستَعمل قلبه، ومن لا يحزن على شيءٍ فقَدَه. وكأننا لا نعيش إلَّا لنخسر، ولا نخسر إلَّا لنُخلَق من جديد".
ولكنّ رد الفعل يختلف من شخصيةٍ لأخرى، مِنَّا من يتملَّكه الإنكار، والآخر يتملكه الغضبُ أو الحزن، ثم نصل إلى ساحة الوعيِ بالتقبُّل، أو التعايش.
ومن هنا نستطيع أن نُوضِّح أنَّ الفقدَ ليس فقط تجربةً عاطفية، بل قد تمتدّ جذورها لأعماقنا مسبّبةً صدمة، أو مجموعة من الاضطرابات النفسية، نعرضها معًا في الآتي:
(1): اضطراب الحزن المُعقَّد Grief Disorder Prolonged.
وهذا بالشرح المبسط يُعني: أنَّ الشخص لا يتقبَّل مساحةً الفقد داخله، بل يظل مُتعلِّقًا بما فقده فترة طويلة ومزمنة، وهو حالةُ حزنٍ عميقةٍ قد تمتد لشهورٍ أو سنوات، ويظهر على الشخص عدة أعراضٍ، مثل:
_التفكير المستمرّ بالراحل عنه سواء كان شخصًا أو غيره.
_الشعور بالذنب أو جلد الذات.
_الانسحاب من الحياة الاجتماعية.
_فقدان المعنى أو الهدف في الحياة.
(2): مرض العصر/الاكتئاب Depression.
يُعدّ الفقد أحد أقوى المحفِّزات للاكتئاب، وأعراضه:
_الشعور بالحزن أو الفراغ المستمر.
_اضطرابات في النوم أو الأكل.
_فقدان الشغف بالحياة.
_لوم الذات، أو أفكار سوداوية، وأحيانًا أفكار انتحارية.
(3): اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
وهذا ما يُعرف بحالة الفقد بطريقة فُجائية مثلًا:(الحوادث/الانتحار)، ويشمل الأعراض التالية:
_ذكريات مؤلمة متكررة.
_كوابيس.
_نوبات هلع.
_تجنُّب الأماكن أو الأشخاص المرتبطة بالحدث.
(4): اضطراب القلق العام (GAD).
ويُعرف بالخوف من تكرار التجربة "الفقد"، بمعنى: قلق مفرط يصاحب الشخص من فقدان أشخاص آخرين في المستقبل.
أعراضه/صوره:
_توتر دائم.
_خوف من الوحدة.
_وساوس عن الموت.
(5): اضطراب الهوية أو الاغتراب الذاتي(Depersonalization/Derealization).
ويحدث بتأثُّر الشخص بالفقد بدرجةٍ كبيرة، ويشعر أنه غريبٌ عن نفسه أو حتى عن العالم، وهو إحدى حالات عدم تصديق الواقع، أو الشعور بأن الأحداث المنوطة به ما هي إلَّا حُلمًا مُزعِجًا.
(6): الإدمان أو السلوكيات القهرية.
وهو هروبُ الشخصِ من ألم التجربة إلى سلوكيات إدمانيّة تعوض شعوره بالفقد أو الفراغ، باستخدام:
_الكحوليات.
_المخدرات.
_الإفراط في الطعام أو حتى العمل.
_العلاقات السطحية.
أستشهد في النقطة رقم 6 بكتاب" ممتلئ بالفراغ" الذي تحدَّث فيه د. عماد رشاد عثمان عن تلك السلوكيات باستفاضة علميّةٍ كبيرة، وهو طبيب نفسي مصري الجنسية.
وشاهدًا آخر على الفقد بشكل عام، كما شاهدنا في مسلسل "كتالوج"، الذي صوَّر الفقد بشكلٍ يُدمي القلوب.
• الفقد كأداة للإبداع أو الكتابة:
ربما يكون الفقد هو بمثابة الثمن الذي يدفعه الكاتب ليكتب بصدق، وهو النار التي توقد القلوب بمجرد القراءة لنصٍ يغلبه الشجن، وعاقبة الحزن، فكما قالوا: حين نفقد أو نُجرح، نُصبح كُتَّابًا أو رسّامين، أو نحمل في صدورنا فنًّا صامتًا لا يُرى.
فالكتابة لم تكن يومًا من وسائل الترف، بل وسيلةَ نجاةٍ من الغرق في موج الأحزان، وصوتًا لمن سُلب صوته أو لم يكن مسموعًا يومًا ما، هي أفضل وسيلة للبوْحِ، وترتيبِ الأفكار بإجماع علماء النفس.
فكتبت رضوى عاشور في أطياف:" أكتبُ؛ لأنني فقدت أشياء كثيرة، والكتابة تُعيد لي ما يشبهها".
فكل كلمةٍ بمثابة ضمادةِ جُرحٍ قديم به أغوارٌ من الزمن، أو لاستفاضة ما في الذاكرة وترتيبها.
وقال أدونيس في إحدى مقابلاته: "أكتب لأستعيد من فقدتهم، لأن الموتى لا يرحلون حين نظن أنهم ماتوا، بل حين نكفُّ عن تذكّرهم".
فكأنما الكتابة تعيد لنا الذكرى، وتجدد خلايا ألبابنا بحروف كلماتنا.
وقال إيزابيل الليندي من مقدمة رواية باولا: "حين ماتت ابنتي، لم يكن أمامي سوى الكتابة؛ كي لا أفقد نفسي معها".
وقالت قدر _ التي هي أنا_ في مقدمة كتابها الموانئ التي لا تُرى: "كانت تلك الأبجديات المتناثرة عندما تتَّحِد علاجًا لهَمٍّ منزوٍ بأعماقنا، وطريقةٍ صامتةٍ ظاهريًا، صارخةً في كينونتها، تتحدَّث بما في داخلنا".
واصفةً قيمة الأبجديات حرفًا حرفًا وأن الكتابة وسيلة علاج للبقاء.
وفي كثير من الأحيان تتحول الكتابة لوسيلةِ مقاومة، ومناجاة، ولعلّنا نلاحظ ذلك في رسائل ستيڤن لمجادولين في رواية ماجدولين للكاتب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي، أو في الأعمال الأدبية التي حملت بين طيّاتها أوجاعَ الفقد، فأنجبت كلماتٍ خالدةً لا تموت ذكراها، كما قال درويش عن الانتظار والغياب: "دعنا نتبادل الأدوار، أنت تنتظر، وأنا لا أعود".
• هل الفقد نهاية؟ أم بداية جديدة؟ .. هل هناك علاجٌ للفقد؟
قد نظنُّ في لحظة ما أن الفقد هو النهاية، هو الرمَق الأخيرُ في حياتنا، نظن أننا راكدين رغم الدوران، وأن الابتسامة عارٌ علينا وخيانةٌ أو خُذلانٌ لمن تركونا، حتى الأماكن والمتعلّقات بالحدث تُصبح مُحرَّمةً علينا ومحظورةً بأمر سلطان الفقد، وأن الحياة بعده مجرَّد حلاوة روحٍ لطيرٍ ذبيحٍ يتراقص برقصةِ الموت، ولكن الحقيقة الأعمق أنَّ النهايات نقطةٌ لبدايةٍ أخرى تنبعث كالزهرة من رحم الصخر، وهو بداية لإدراك هشاشتنا، ووعينا بعمق ما كنَّا لا نظنّه عابرًا قَط.
الفقد يصنع منا شخصيات أكثر نضجًا وصلادة، ستمتلك الغرابة حين قراءتك الجملة السابقة ولكن هي الحقيقة التي تخشاها، فنحن لا نعيش دون الألم، وإن كُسر فينا شيءٌ فتَبعاته أن يضيء زوايا أخرى مظلمة، ويفتح بابًا لنسخة جديدة مِنَّا أكثر إنصاتًا، وحنانًا، وأكثر حرصًا على البقاء رغم الألم.
أما عن السؤال: هل هناك علاج للفقد؟
فالجواب ليس في دواء يُشرب، ولا جلسة تُنسينا من غابوا، ولا تمتمة دعاء بالصبر والسلوان وحدها كافية، بل في الزمن، والمعنى، والتحوُّل، والإرادة بالحياة.
حين نواصل الحياة لا نكايةً في الألم، بل حبًا في مَنْ كانوا جزءًا منها .. نعم، نحن لا نُشفى تمامًا من الفقد، لكننا نتعلّم أن نحيا برفقٍ في حضرته .. في حضرة الفقد نُولد ونعيش.
تحرير/ أسماء عبده"قدر".
تدقيق ومراجعة/ ملك عبدالله.