الرابع من أغسطس

الرابع من أغسطس، من ذاك العام الماضي
احتضن خاتمي أصابعَ امرأةٍ كانت -وما زالت– غريبةً عني، منذ ذلك اليوم، ونحن نسير معًا في طرقاتٍ لا تشبهني، حتى ساقتنا خُطانا إلى مقهى المدينة، لم أكن من روّاده، لكنه كان من طقوسها، فجلستُ حيث لا أنتمي، فقط لأكون قريبًا منها، كان المكان يضجُّ بالحياة: ضحكاتٌ صغيرة تتقافز من أفواه الأطفال، وصوتُ الملاعقِ يجرّ أوتارَ الأطباق كما لو أنه يلعب نغمة مألوفة، والقطرات تنزلق على زجاج النوافذ كمراهقةٍ تُغازل البرودة، الهواء كان يراقص خصلات شعرها أمامي، والشموع تنحني لتلقي على وجنتيها قصائد من ضوء، كل شيء تواطأ مع اللحظة ليكتب قصة حب، كنت أعتقد أنني البطل في هذه القصة، حتى دخلت أنا في السطر الخطأ.. جلس على الطاولة المقابلة رجلٌ يشبه الكتّاب: عينان خلف عدستين، ودفترٌ بانتظار اعتراف، لكنّه لم يكن يكتب، كان يحدّق، بعينٍ تعرف، لا تستكشف، وبعينٍ لا تبحث؛ بل تستعيد، رأيته ورأيتها، لم يكن المشهد صادمًا، كان أهدأ من اللازم، كأن الحزن يرتدي بدلة رسمية، ويجلس بهدوءٍ على الطاولة المقابلة، رأيت عينيها تشتعلان دون دموع، ورأيت خاتمي يرتجف كما لو أن إصبعها لفظه دون صوت، وتوقّف الهواء، كأن العالم منحهم لحظة احترام، وانحنت الشموع؛ لا لتضيء، بل لتختبئ من الحقيقة، لم تتكلّم، ولم تبكِ، ولم تعترف؛ لكنني أدركت، أنني لست البداية،
ولا النهاية، ولا حتى مرحلة نسيان أنا فقط.. مجرد رجلٍ جاءت به الحياة ليُغطي فراغ رجلٍ لم يخرج منها أبدًا.

كُتِب بواسطة/ عبدالرحمن العربي. 
دُقِق بواسطة/ ملك أبو الغيط.