ميثاق الصمت

اصمتْ، فإنّ الصمتَ سلطانٌ لا يُنازَع، وهيبةٌ لا تُجارى، وتاجٌ لا يُعطى لمن باع نفسه للضجيج، اصمتْ؛ فالسكون مملكةُ العظماء، ولغةُ من إذا تكلّم خُشعت له الأسماع، وإن صمت سجدت له الأرواح، رأيتُ القومَ يتسابقون إلى البوح كأنّهم يُساقون إلى موتهم، فلا أفصحوا، ولا نجوا، بل خاضوا لجّة القولِ فعادوا منها كالمحرومين، أما من صمتَ، فقد أطلق في قلبه عِنانَ الحكمة، وربط لسانه بحبل الوقار، وجعل بينه وبين الزلل ألف سدّ، الصمتُ، يا صاح، ليس خمولًا، بل يقظةُ من أدرك أنّ الكلمة سهمٌ، إمّا أن يُصيب بها قدرًا، أو يطعن بها نفسَه، إنّك إن نطقتَ، حملتَ وزرَ ما قلت، وإن سكتّ، ملكتَ زمامَ نفسك، السبّابةُ المرفوعةُ إلى الشفاه ليست خنوعًا، بل أمرٌ صامتٌ لا يجرؤ الجاهل على مخالفته، إنّها تقرأ عليك ميثاقًا أزليًّا: أن لا تُفشي سِرّك، ولا تُبدّد سكينة قلبك بين أفواهِ الخلق، ما أكثر الذين خسروا أنفسهم لأنهم تكلموا حين وجب أن يصمتوا، وما أعظم الذين صمتوا، فهابهم الزمان، وخشيهم الكلام، الصمتُ نُطقٌ لا يُسمع، ونارٌ لا تُرى، وسيفٌ مغروسٌ في غمده، لا يراه إلا من أنصت بقلبه، وسمع بعقله، لا بسمعه، فلا تظننّ الصامتَ غافلًا، إنّما هو بحرٌ لا يُثار، وعرينٌ لا يُدنّى، وموضعٌ من النورِ لا يبلغه إلّا من خلع عن قلبه هوى الثرثرة، وانحنى لجلال العزلة، فإن شئتَ أن تكون سيدًا، فاجعل الصمت لك دِثارًا، والسكينةَ مذهبًا، والكلماتِ ذخيرةً لا تُطلِقها إلا إذا ضاقت بك الأرضُ بما رحبت، فحينها فقط، تكلّم، ودعْ للعالمِ أن يصغي.

لِـ/ آينور عمرو.