فلسطين ونقطة التَّماسّ الأولى: عن رصاصات الظلم نتحدَّث

فلسطين ونقطة التَّماسّ الأولى: عن رصاصات الظلم نتحدَّث
أصبحنا نعيش بين ذئابٍ بشرية يأكلون أفلاذ أكبادنا بأنيابهم الزرقاء .. تحت ظلال الظلم وطلقات الرصاص، وسط مخلوقات لا تعرف الرحمة أو تترك لسُهادنا مساحة، نحيا ولا نحيا كوَرْقاء تنوح على غُصنٍ وحيد أكله الزمن .. عن الظلم نتحدَّث، وعن قضيتنا نبوح، أُخاطب كلَّ إنسانٍ بَقِيَ فيه من الضمير ولو مثقال ذرَّةً عربيًّا كان أو أعجميًّا .. إلى النفوس التي تناست وأصبحت أيديها مُلطَّخة بالدنس والعار، إلى العروبة التي تلاشت وتناست هويَّتِها .. نفصح عن جزءًا ضئيلًا من الظلم التي تعانيه نسائنا وأطفالنا وشيوخنا .. عن فلسطين الحُرَّة نبوح.

• الكيان الصهيوني وقوانينه العرجاء: 
يستخدم الكيان الصهيوني مجموعة من القوانين _لا أرى حدّ القول عليها سوى أنَّها وُلِدت بدماغ حِمارًا يحملُ أسفارًا_ قوانين لا تعرف بذور العدل، قامت على حد السيطرة والانتهاك للحُرُمَات، فمنها: 
• قانون 1←قانون الطوارئ الذي يسمح للإحتلال بالإعتقال الإداري بدون مُحاكَمة لفترة طويلة. 
• قانون 2←قانون تقسيم الأرض والمصادرة التي تسمح بمصادرة أراضي فلسطين لصالح المستوطنات. 
• قانون 3←التمييز في البناء والترخيص التي تمنع الفلسطنيين من البناء، أو تمنح تراخيص ببطء شديد، في حين تتوسَّع في المستوطنات بشكل غير قانوني. 
• قانون 4←منع التجمُّعات والمظاهرات التي تُقيِّد حريَّة التعبير والتظاهر السِّلْمِي. 

هذا فَضلًا عن رغبة نتنياهو في إعادة احتلال غزة وتهجير الفلسطينيين بالكامل، وإليكم ردود الفعل الأولية: 
_قال رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، إن قرار إسرائيل "خاطئ" وحثّ حكومته على "إعادة النظر فيه فورًا".
_قال الزعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد، إن الخطة "تتعارض تمامًا مع موقف الجيش والمؤسسة الدفاعية، دون مراعاة استنزاف وإرهاق القوات المقاتلة".
_وصف السياسي الفلسطيني المخضرم، مصطفى البرغوثي، قرار إسرائيل بتوسيع العمليات العسكرية في غزة بأنه "إعلان جريمة حرب"، وأضاف البرغوثي وهو رئيس المبادرة الوطنية الفلسطينية إن هذه الخطوة تُظهر أن "النوايا الحقيقية" لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته كانت "التطهير العرقي لجميع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة".
_قالت وزارة الخارجية التركية بأن قرار إسرائيل بالاستيلاء على مدينة غزة "يُشكل مرحلة جديدة من سياستها التوسعية والإبادة الجماعية في المنطقة"، مضيفة أن "كل خطوة تتخذها حكومة نتنياهو الأصولية لمواصلة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين وتوسيع الاحتلال تُوجه ضربة قاصمة للسلم والأمن الدوليين، وتزيد من عدم الاستقرار الإقليمي، وتُعمّق الأزمة الإنسانية".
_حثّت أستراليا إسرائيل على التراجع عن خطتها، وقالت وزيرة الخارجية، بيني وونغ، إن "التهجير القسري الدائم انتهاك للقانون الدولي".
فعَنْ عن أيَّ شرفٍ تتحدَّثون؟! أنتُم من أين لكم أن تعلموا ما يعيشه أطفالنا ونساؤنا؟ .. صِرنا في زمنٍ يسير تحت شعار رصاصة واحدة تكفي لضريبة الصمت، لقد أخمدوا حماسنا وترنُّم العصفور فوق السحاب، لم يَسلَم منهم الطَّيرَ والحيوان، لقد بثُّوا دموعًا حَرَى في قلوب النساء .. وحُبِست حُرِّيَتنا في ديماسٍ لا يُرى فيه ضوءًا أو يطلعُ فيه نهار.

• الفقر والجوع كوسيلة لطغيان العدو:
لا أُطيل الحديث في ذلك، فالصور والفيديوهات المرئية تشرح حالها، وتُصوِّر لنا المعاناة التي يعيشونها يومًا بعدَ يوم، لقد صورت كاميرا CNN على متن طائرة شحن أردنية مشهد إسقاط المساعدات فوق غزة، التي لا يصل منها إلا مثقال حبَّة من سنبلة، وفيما يلي نعرض لكم تأثير تلك القوانين على الشعب الفلسطيني. 

_مثال حيِّ يُمثِّل ما يعانيه الشعب الفلسطيني من شدة الفقر والجوع:
 
• مثال رقم 1: صورة هيكل عظمي لجثَّة أكلها الجوع. 

بالعاميَّة المصرية سأتحدَّث هنا: زمان كنا نسمع حزورة أو فزورة زي ما بتسموها كانت بتقول: "شيء يقرصك أو يأكلك ولا تراه" كانت الإجابة: الجوع، ومثل مصري شهير "محدش بينام من غير عشا" أو "بكمّل عَشايا نوم" .. كانت جُمل هزلية في طابعها سخرية ناعمة لكن مين كان يصدق إننا هنشوفها وحد هيعيشها؟! لو كنا في زمن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تفتكروا كان ده حصل؟! 
• مثال رقم 2: أمير طفلًا في الخامسة من عمره، قطع مسافة 12 كيلو متر في سبيل إيجاد طعام لإخوته .. ولكن ما الذي حدث لأمير؟
بتلك الرصاصة الحقيرة قتلوا أمير وآلافًا من فئته العمرية، ذلك الطفل الذي يبلغ عمره فقط خمس سنوات، ولم يتردَّد في قطع مسافة اثنى عشر كيلو مترًا؛ ليجد طعامًا لاِخوته، لقد قبَّل يدّ الضابط الأمريكيّ كما لو أنَّها أَيْكةً تَحْجبه عن أوَار الظهيرة في يوليو .. لم يستطِع أمير الوصول لاِخوته؛ فَفوْرَ دلوفه اخترقت ظَهره رصاصة الصمت التي دفع ثمنها طفولته الضائعة في حين وجود مليارًا وستمائة مليون مُسلم على وجه البسيطة .. أمير وفئته صاروا ذَوُو الخمسون بدل الخمس سنين، لقد صاروا أضعاف أعمارهم بدايةً من أكتوبر 2023، تحديدًا في اليوم السابع من أكتوبر، إلى يومنا هذا والعالم أجمَع يُشاهد .. لقد فارقونا بدمائهم الشريفة، وتركونا تائهين في غياهب الليل .. الأموات صاروا أحياء والأحياء قتلهم ضريبة الصمت وسرمدية الظلم الذي نعيش في أحشائه.

مشاهد حيَّة من قلب بلاد العزَّة: أصوات لا تُنسى: 
•الصوت رقم 1: "روح الروح هذي"
إن كنت لا تعلم روح الروح فهي "ريم"، فتاة الثلاث سنوات، التي وُدِّعت بتلك الكلمات الدامية، ارتقت في ديسمبر الماضي إثر قصف الاحتلال الصهيوني على بيتها في قطاع غزة الحبيبة، تحدَّث جدها "الشيخ خالد نبهان" لموقع اليوم السابع عن علاقته بحفيدته التي كانت قوية جدًا، وقال: "ريم ولدت في نفس يوم ميلادي 23 ديسمبر، وقد احتضنتها بشكل قوي، وقلت لوالدتها حينها: ريم لي وأنا لها .. كنت أختار لها ملابسها وألعابها بعناية، وأُوفِّر لها كل الاحتياجات". 
لم تكن ريم وحدها قد استُشهِدَت من أحفاد الشيخ خالد، فقد ارتقى معها طارق أخيها، وأضاف: "شعرت أنهم نائمين ولم يُستِشهدوا، وحاولت فتح عَين ريم التي أعتبرها جزء منِّي، فهي فعلًا روح الروح"... 
لم تمنح صواريخ العدو ريم الاحتفال بميلادها، ولا منحتها الدُّنيا غَزْلًا يحتويها، ويُبهج فؤادها الصغير، بل كان ركامًا وأنقاضًا .. ريم صاحبة الثلاث سنوات ليست ذكرى عابرة، إنما هي حكاية لا تُنسى.

•الصوت رقم 2: "شعره كيرلي وأبيضاني وحلو .. وينه حبيبي؟". 
عبارة قِيلت على لسان سيّدة فلسطينية مكلومة، تبحث عن فَلذة كَبَدِها "يوسف"، ذو السبع سنوات، بين الضحايا والمصابين، ومعها زوجها الطبيب الفلسطينيّ الصَّبور، فقد تلقَّى الطبيب عدَّة صور لضحايا من كاميرا أحد الصحفيين، وقد عَرِفَه من ثيابه. تحدَّث الطبيب إلى موقع اليوم السابع، وقال: "كان فيه مصور فتح الكاميرا وعرض صور الإصابات شفت صورة عرفت يوسف من لبسه، قلت: هو ده فينه؟ هزّ رأسه ومجاوبش"، وأضاف: "كان فيه واحد واقف ورا قال: أنا كنت شايله على المشرحة"... 
صوتٌ آخر أدمى قلوبنا لأمٍّ مكلومة فقدت أغلى ما يكن على نفس الآباء .. فقدت ولدها الذي وصفته بتلك الكلمات، لم تكن تعلم أنَّ الاحتضان الأخير الذي طلبه يوسف صباح استشهاده سيكون آخر لمساتها له، بل آخر مداعبة من أطراف بَنانِها لشعره المُجعَّد، لم تكن تعلم أنَّها سترى رأسًا مُهشَّمًا، وجسدًا هزيلًا ممتدًا على سرير من أَسِرَّة المشرحة.

•الصوت رقم 3: " بينتقموا مِنَّا في لِوْلَاد "الولاد" معليش". 
لقد قالها الصحفي الفلسطيني وائل الدحدوح إثر استشهاد زوجته وابنه وابنته، لم يكتفِ الكيان الصهيوني بذلك فقط، فقد أسدَى بِغَارَة على منزل عائلته الذي يقع في جنوب وادي غزة، في الخامس والعشرين من أكتوبر عام ألفين وثلاثة وعشرون، وذلك مع أمسية يوم الأربعاء، التي نتج عنها استشهاد 13 فرد من عائلته .. فعَنْ أيَّ سلامٍ تتحدَّثون؟! 
صحيحٌ أنَّهم قد ارتقوا إلى سماءِ الحقِّ، ولكن الأصوات لا تموت، ويبقى صداها مهما طالت السنوات، "تعيطش يا زلمة" لا يموت، "أرضيت يا رب؟!" الصوت الذي قِيل من قِبَل أب يحمل جسد لطفل رضيع دون رأس .. لا ينحني أو يموت. ← مصدر رقم2«اليوم السابع». 

• رسالة أخيرة علَّها تصل: 
أقولها لكلِّ مُسلم، المليار والستمائة مليون مُسلمًا، انظر إلى كتابك الاسترشادي الأوَّل .. انظر إلى القرآن. 
قال تعالى: "إنَّ الَّذِين ظلَمُوا مِنْ بَنِي إسرائيلَ وحَمَلُوا ظُلْمًا عَظِيمًا" «البروج: 8». 
تفسيرُها واضح: أنَّ الظُلم وقع على أهل الأرض المقدسة .. وما زال مستمرًا حتى الآن. 
قال تعالى: "وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِبَقِيَّةٍ مِّنَ الْعِلٰمِ" «الكهف: 98». 
الآية تشير لتوثيق ما حدث من ظلمٍ وظلمٍ مضى، وهذا يُحمِّلكَ بمسؤولية المتابعة للأحداث، وعدم السكوت على الظلم في فلسطين. 
قال تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبيلِ اللَّهِ الَّذِين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعتَدُواْ" «البقرة: 190». 
تحث الآية على القتال العادل والدفاع عن النَّفس، مع التأكيد على عدم الاعتداء، وهذا أيضًا يُعَدُّ ردًّا قاطعًا لمَنْ يزعَم أنَّ حركة حماس مُنظَّمة إرهابية. 
وقال اللّٰهُ تعالى في ذلك أيضًا: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ" «البقرة: 216». 
وقال تعالى: "وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" «البقرة: 120». 
الآية توضح الرفض الدائم للحق من جهات معينة، وهذا نربطه بالكيان الصهيوني الذي رفض السلام العادل، وعشق الاستعمار والاحتلال عشقًا جَمًّا، وهذا ردًّا على السُلُطات التي ترى الجانِ مَجْنِيَّا عليه والعكس صحيح. 

السؤال الأخير الذي يتردَّد سماعه: "هو أنا في إيديا إيه، هروح أحارب يعني؟". 
الإجابة -عزيزي القارئ- تُكمن في أضعف الإيمان "المقاطعة"، "التَّحدُّث عن القضية ونشرها"، فالقضية قضية كلِّ مُسلم وليس فقط فلسطيني، قضية كل إنسان يعرف الرحمة وما زال ضميره حيّّا، المقاطعة تكون شاملة لـِ: 
_مقاطعة الشركات التي تدعم الكيان الصهيوني، والتي تُعرض في الصورة الآتية: 
(صورة مجمعة للعلامات التجارية التي تدعم الكيان، ستُعرض عند نشر المقال) 
_نشر القضية من صور وفيديوهات لمشاهد حيَّة دون كلل أو ملل. 
_عمل هشتاجات تنادي بتنديد الظلم والكيان الصهيوني، والحريَّة للشعب الفلسطيني. 
أختُم بالتَّعازي لكلِّ قلبٍ تألَّم، وامتلأت فَرائِصَهُ فرقًا ورعبًا، أُذكِّره بأنَّ لكلِّ داءٍ دواء، وأقول له: أنَّ المعتدي الزنيم، موضع الضَّعة والمهانة، الرَّعدِيد لا شك أن نهايته ستكون صاخبة، شجيَّة تُجلي همومكم وأحزانكم.
 ربما يتحوَّل جسده إلى مَشْجبٍّ للقلانس والطيالس، أو ينتثر منه ريح السموم في المارستان، ذلك الدنيء المتحذلق لن يفلت من وعد الله الحقِّ، فقال اللّٰهُ تعالى: "أَلَا إنَّ نَصرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" (البقرة: 214).
 أُحيِّي شعب الأطياب والكرامات، شعب العزَّة والكبرياء. 
شهداؤنا أحياء عند الله، مُنعَّمون في جنات الخُلد، حتمًا سيطلعُ الصبح وتَنجلِي الظُلُمات، فلنصمد ونُواصل النضال حتى يشرق الفجر على أرض فلسطين حرة أبدًا. 

تحرير/ أسماء عبده "قدر". 
9 أغسطس 2025م. 
السبت، 12:46ص.