حسان بن ثابت

حسان بن ثابت
أولًا: ترجمة عنه
▪كان أبوه ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجيّ «من سادة قومه وأشرافهم»، وكانت أمه «الفريعة» خزرجيةً مثل أبيه، وقد أدركت الإسلامَ ودخلت فى دين الله، وهو يسلك فى المعمرين إذ يقال إنه عاش فى الجاهلية ستين سنةً وفى الإسلام ستينَ أخرى، وهي سنٌ تقريبية، فقد قيل إنه توفى قبل الأربعين، وقيل بل سنة خمسين وقيل بل سنة أربعٍ وخمسين، وهو ليس خزرجيًا فحسب، بل هو أيضًا من بنى النجار أخوال رسول الله صلَّ الله عليه وسلم، فله به صلة قرابةٍ ورحم.

 حال حسان بن ثابت قبل الإسلام: 
ونراه قبيل الإسلام يتردد على بلاط الغساسنة، ويقال إنه مد رحلاته إلى بلاط النعمان بن المنذر، وكان لسان قومه فى الحروب التى نشبت بينهم وبين الأوس فى الجاهلية، ومن ثم اصطدم بالشاعرين الأوسيين: قيس بن الخطيم وأبي قيس بن الأسلت. ويقال إنه عرض شعره على النابغة بسوق عكاظ، وقدم عليه الأعشى، فأثار موجدته.

 حال حسان بن ثابت بعد إسلامه:
▪ويهاجر رسول الله صلَّ الله عليه وسلم إلى المدينة، فيدخل حسان فى الإسلام، حتى إذا أخذ شعراء قريش فى هجاء الرسول وصحبه من المسلمين انبرى لهم بلاذع هجائه، وكان رسول الله يحثه على ذلك ويدعو له بمثل: «اللَّهم أيده بروح القدس» واستمع إلى بعض هجائه لهم فقال: «لهذا أشد عليهم من وقع النبل»، وفى حديثٍ عنه صلَّ الله عليه وسلم أنه قال: «أمرت عبد الله ابن رواحة (بهجاء قريش)، فقال وأحسن، وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن، وأمرت حسان بن ثابت فشفى واشتفى». وحسان لم يكن يهجو قريشًا بالكفر وعبادة الأوثان، إنما كان يهجوهم بالأيام التى هُزموا فيها ويعيِّرهم بالمثالب والأنساب، وهذا طبيعيٌّ لأنهم كانوا مشركينَ فعلًا، فلو هجاهم بالكفر والشرك ما بلغ منهم مبلغًا، ويروى أن الرسول صلَّ الله عليه وسلم قال له: «اذهب إلى أبى بكر فليحدثك حديث القوم وأيامهم وأحسابهم، ثم اهجهم وجبريل معك».
▪ويذهب بعض الرواة إلى أنه كان ممن خاض فى حديث الإفك الكاذب على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ونراه يعلن براءته من هذا القول الآثم بأشعار يمدحها بها مدحًا رائعًا من مثل قوله:
حصان رزان ما تزن بريبةٍ ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافلِ (1) 
فإن كان ما قد قيل عنى قلته ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي
ويظهر أن بعض المهاجرين وعلى رأسهم صفوان بن المعطل أثاروه فى هذا الحادث، حتى وجد وجدًا شديدًا، فقال:
أمسى الجلابيبُ قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أمسى بيضة البلدِ (2)
على أنه مضى فى نفس القصيدة يُعلن إخلاصه للإسلام وأنه سيستمر في ذبِّه - دفاعه- عن الرسول صلَّ الله عليه وسلم.
ويُقال أنَّ الرسولُ كان يُنشد شعره في المسجد، والذى لا شك فيه أنه كان يحظى منه بمنزلةً رفيعةً، حتى ليُروى أنه كان يرفع أزواجه إلى أطمه حين يخرج لحرب أعدائه، وكان حين يعود يقسم له فى الغنائم، وقد أهداه بستانًا، كما أهداه سيرين أخت زوجه مارية القبطية، وهى أم ابنه عبد الرحمن.
 (١) حصان: عفيفة. رزان: ذات وقار. تزن: تتهم. غرثى: جائعة. يريد أنها لا تغتاب النساء.
(٢) سمى بعض المهاجرين الجلابيب استصغارًا لشأنهم. البلد هنا: النعام. وفى المثل هو أذل من بيضة البلد لأن النعام يترك بيضه فيحضنه غيره.
 ▪ وكان الخلفاء الراشدون يُجِلُّونه ويفرضون له فى العطاء وبحق سُمِّيَ حسان شاعر الإسلام ورسوله الكريم، فقد عاش يناضل عنه أعداءه من قريش واليهود ومشركي العرب راميًا لهم جميعًا بسهامٍ مصمية. وقصته مع الحارث بن عوف المرى حين قتل فى جواره داعٍ من دعاة الرسول مشهورةٌ، فقد قال حسان فيه وفى عشيرته:
إن تغدروا فالغدر منكم شيمةٌ ... والغدر ينبت فى أصول السخبرِ (٣)
وبكى الحارث من هجائه له بدموعٍ غزارٍ، واستجار بالرسول متوسلًا إليه أن يكفه عنه. وقد مضى حسان حين قدم على الرسول وفد بني تميم يرد على شاعر هذا الوفد الزبرقان بن بدر مادحًا للمهاجرين مدحًا رائعًا. يقول فى تضاعيفه:
إن الذوائبَ من فهرٍ وإخوتهم ... قد بينوا سُنة للناس تُتَّبعُ (٤)
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذى شرعوا
إن كان فى الناس سبَّاقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبعُ
أهدى لهم مدحي قلب يؤازره ... فيما أراد لسان حائك صنعُ
ومن المحقق أنه كان شاعرًا بارعًا، وقد اتفق الرواة والنقاد على أنه أشعر أهل المدر فى عصره وأنه أشعر اليمن قاطبة، وقد خلف ديوانًا ضخمًا رواه ابن حبيب، غير أنَّ كثيرًا من الشعر المصنوع دخله، يقول الأصمعي: «تنسب إليه أشياءً لا تصح عنه»  ويقول ابن سلام: «قد حُمل عليه ما لم يُحمل على أحد، ولما تعاضهت (تشاتمت) قريش واستبت وضعوا عليه أشعارًا كثيرةً لا تُنَقَّى» . وكان ممن حَمل عليه غثاءً كثيرًا ابن إسحق فى المغازي
(٣) السخبر: شجر، ومن أمثالهم: ركب فلان السخبر إذا غدر.
(٤) الذوائب: الأعالى فى الشرف. يريد المهاجرين.
  ▪والحق أن شعر حسان الإسلاميّ كَثُر الوضع فيه، وهذا هو السبب فيما يشيع فى بعض الأشعار المنسوبة إليه من ركاكةٍ وهلهلة، لا لأن شعره لان وضعف فى الإسلام كما زعم الأصمعي، ولكن لأنه دخله كثير من الوضع والانتحال. ونحن نوثَّق شعره فى الجاهلية إلا ما اتهمه الرواة، ومن رائع هذا الشعر مَيمِيَّتِهِ التى يملؤها ضجيجًا وعجيجًا بمفاخر قومه والتي يقول فيها:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطُرنَ من نجدةٍ دمًا
ولاميته التى يمدح بها الغساسنة بمثل قوله:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأولِ
و نحن نثبت له قصيدته الهمزية التى يقول فيها لأبى سفيان بن الحارث:
هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه ... وعند الله فى ذاك الجزاءُ
وهو يستهلها بذكر منازل صاحبته مشبِّبًا بها ومستطردًا إلى ذكر الخمر على طريقة الجاهليين، مما جعل القدماء يقولون إن القصيدة تتكون من جزءين:
جزء نُظِم فى الجاهلية، وجزء نُظِم فى الإسلام، وهو يمضي فى الجزء الثاني متحدثًا عن فروسية قومه ومتوعدًا قريشًا بحروبٍ مبيرةٍ، وتختلط فى هذا الجزء المعاني الجاهلية بالمعاني الإسلامية إذ يعرض لرسالة النبى صلَّ الله عليه وسلم ومتابعة قومه له ونصرتهم لدينه، من مثل قوله:
وجبريلُ أمينُ الله فينا ... وروحُ القدسِ ليس له كفاءُ (٥) وكفاء تعني مثيل أو مناظر
الكتاب: تاريخ الأدب العربي
المؤلف: الدكتور شوقي ضيف
الناشر: دار المعارف - مصر
الطبعة: الأولى، ١٩٦٠ - ١٩٩٥ م

كتابة/ أسماء محمد. 
تدقيق/ علياء قطب. 
مراجعة/ ملك عبدالله.