• المرأة ككيان إنساني عبر العصور:
منذ أن خطَّت الحضارات أول سطور التاريخ، حضرت المرأة لا كمجرد ظلّ للرجل، بل ككيان إنساني فعَّال، يمنح الوجود بُعده الأعمق والسَّامي. فقد كانت الملكة كليوباترا السابعة رمزًا للذكاء السياسي والدهاء الدبلوماسي في مصر القديمة، امرأة استطاعت أن تحكم إمبراطورية وسط صراعات كبرى، وتفاوض عمالقة روما بنديَّة وشجاعة هائلة.
وفي بلاد ما بين النهرين، كانت إنخيدوانا – ابنة الملك سرجون الأكادي – أول كاتبة وشاعرة في التاريخ البشري، تُنشد للآلهة وتدوِّن رؤاها بروح أنثى واعية.
المرأة لم تكن يومًا على هامش الحكاية؛ كانت فيها الملكة والمُعلِّمة، المُصلِحة المربِّية والمُحاربة، العاشقة والمفكّرة والأم. تتغيَّر الأدوار بفوات العصور، لكن ثبات القيمة الإنسانية للمرأة ظلَّ شاهدًا على أن أنوثتها لا تعني الضعف، بل عمق التجربة وثراء الروح.
ومع كل تطوّرٍ اجتماعي وفكري، تستمر الأسئلة: من هي المرأة؟ ماذا تريد؟ كيف يجب أن تُفهم وتُحتضن؟ أسئلة نحاول أن نقترب من إجاباتها في هذا المقال، لعلَّنا نُعيد للمرأة صوتها الكامل وصورتها المتكاملة.
• سيكولوجية المرأة:
تتسِّم سيكولوجية المرأة بالقدرة الهائلة على الربط بين الحاجيات الصغيرة، وتميل بفِطرتها للتفكير بقلبها، والتعبير العاطفي عن مشاعرها فضلًا عن الكبت.. وهذا أعتبره من الذكاء والدهاء العاطفي.
إنها كيان شديد الحساسية للتفاصيل، واسع الإدراك للمشاعر بخلاف الرجل، فهي تتمتَّع بقلبٍ يسمع ويُحلِّل، وعقل يتأمَّل. وهناك واحدة من أهم سمات سيكولوجية المرأة وهي "الحاسة السادسة/الحدس"، فهي تقرأ النبرة قبل الحديث وتستشعر الصمت كما تستشعر الصخب والضجيج، التعامل مع المرأة لا يحتاج إلى حكمة خارقة، بل إلى صدق واهتمام، فهي تتطلَّع إلى الإيمان وليس الكمال.
ماذا تريد المرأة، وكيفية التعامل معها؟:
_في الحب: كثيرًا ما يتساءل الرجل في العلاقة بينه وبين المرأة لماذا لا يرضيها كل ما أقوم بفعله رغم الجهد الذي أبذله؟ لأجيبه وأقول: المرأة لا تريد أموالك ولا إمكانياتك أو حتى حلولك هي فقط تريدك أن تسمعها بكل جوارحك ليس مجرد الاستماع، بل الإنصات برمَّته.
يقول نيتشه: "المرأة لغز مفتاحها كلمة واحدة وهي الحب".
ويكمن الحب عند كثير من النساء في الاحترام، والتقبّل لذاتها، والإيمان بها وبكيانها فهي لا تُعني بما تملك.
كثيرًا ما تساءل فرويد عن ماذا تريد المرأة في ظل أبحاثه خلال ثلاثين عامًا وهو ماذا تريد المرأة؟ ولم يصل لإجابة لذلك _أُفسر ذلك باختلاف طبيعة الرجل عن المرأة _، فتجيبه " سيمون دي بوفوار": المرأة لا تريد شيء، فهي أصلُ كلِّ شيء.
_المجتمع: تبحث عن المساواة والحرية التي سلبتها منها العادات والتقاليد، وسلبها منها الرجل أيضًا ويؤسفنا القول بأنَّ معظم مجتمعاتنا العربية مجتمعات ذكورية.
هي فقط أرادت الإيمان بأنَّها تستطيع، وأنها ناقصة عقل ودين بالمعنى الطبيعي الذي أدرجته تعاليم الإسلام فهي لم تكن مجنونة أو ناقصة لعقلها بالكامل، بل ناقصة العقل في غلبة العواطف عليها بفطرتها المكنونة داخلها، وناقصة الدين في رفع بعض الأمور عنها أثناء حيضها "الصوم، الصلاة، الطواف حول الكعبة، قراءة القرآن _أجازه بعض الفقهاء دون مس المصحف _، الجماع".
كذاك فإن الوظائف الموجودة لا تقتصر على الرجل فقط فالمرأة تستطيع تعذيب الرجل، وهي تتحمل أكثر بكثير من الرجل من الآلام الجسدية والنفسية.
كفاكم عن التدخل في شئون المرأة مهما كانت حالتها الاجتماعية، فالمطلقة ليست فاشلة أو صاحبة خطيئة إنما كان ذلك سوء اختيار، والعزباء ليست بعانس فليس هناك قانون بفرض سن معين لفوات عُمر الزواج وربما لم يجدها الشخص المناسب حتى الآن، والأرملة ليست بشؤمٍ فهي ليست بعزرائيل، والمتزوجة تعرف جيدًا إدارة بيتها وأطفالها فهي لا تنتظر منك توجيهها بحقوق زوجها وأطفالها عليها، وأخيرًا العاملة ليست متحررة إنما طموحة تسعي لتحقيق أهدافها.
كيفية التعامل مع المرأة؟
كان الإسلام من أوائل الشرائع التي جرَّمت إيذاء المرأة نفسيًا وجسديًا، وجعل الإحسان إليها مقياسًا لرجولة الرجل وتمام دينه، حيث قال رسول الله ﷺ:" خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي".
وفي حديث آخر: "رفقًا بالقوارير" .. والقارورة': هي الزجاجة شديدة الرقة مما يدل على ضرورة الرقة في التعامل وهذا ينم عن القيمة.
أما اليوم فنحن نرى كثيرًا من الجرائم في حق هذا الكيان الرقيق السامي، وأبشع أنواع العذاب وكأنها منبع لتفريغ الطاقة السلبية لذلك الوغد، والعجيب في الأمر أنك قد ترى المناضلون الذين نادوا بحقوق المرأة هم الجناة في الخلفية في واقعنا ذاك، ومن أمثلة تلك القصص:
_المدعُوّة "آ" التي لقت مصرعها بالسقوط من بناء عالي على يد زوجها صاحب المرافعة عن حقوق المرأة .. حدث بالأردن فبراير، 2025م.
ومن هنا ننتقل لعنوانٍ آخر وهي قضية العنف ضد المرأة والجوانب القانونية في مواجهتها':
•أشكال العنف ضد المرأة:
_العنف الجسدي "تحرش، ضرب".
_العنف النفسي "الإيذاء بالكلمات".
_العنف الأسري "الاضطهاد والتسلط، حرمانها من الميراث، وفي الجاهلية "الوأد".
_العنف المجتمعي "تفضيل الرجل عليها وتهميش دور المرأة".
في هذا الجانب لا يكفي الرفض المجتمعي وكثرة الندوات والجمعيات المطالبة بحقوق المرأة، بل والتي تتخذ قضية المرأة علكة للشهرة وكسب المال .. ففي عدد من الدول العربية بدأت تظهر تشريعات أكثر وعيًا بهذه القضية؛ فمثلًا:
في تونس، صدر قانون شامل سنة 2017 يُجرِّم كل أشكال العنف ضد المرأة بما فيها الاقتصادي والمعنوي، ويلزم الدولة بتوفير مراكز إيواء للضحايا.
أما في مصر، فقد أُدخلت تعديلات على قانون العقوبات لتشديد العقوبة على التحرش، وتوفير حماية المرأة في الشارع والعمل.
لكن النقطة الفارقة والتحدي الأعظم لا يكمن فقط في وجود القانون بل في تفعيله الفعلي، وتدريب الجهات المعنية والمجتمع على التعامل مع المرأة الضحية لا كمذنبة ساقطة، بل إنسانة تحتاج إلى أمان، ونحتاج أيضًا إلى نشر الوعي وتقليص فكرة العار والفضيحة في القرى والمجتمعات الصغيرة حتى لا يتحول ذلك العنف إلى كابوس أبديّ يلاحق المرأة في حياتها.
هل الاستقلالية المادية هي الوسيلة الوحيدة لوصول المرأة إلى القوة والمكانة المرموقة؟
كثيرًا ما سمعنا مدرّبي التنمية البشرية يعتمدن على نقطة المال، وأنه لغة العصر الحالي، وأنكِ لن تحصلي على الاحترام إلا بامتلاء رصيدك بالبنك واستقلالك المادي وتحقيق ذلك بذاتك.
والحقيقة أن الأمر في رأيي على جراء نوعين:
_أختلف في: تحجيم المال وجعله الوسيلة الوحيدة للوصول لمُبتغاكِ، فهناك ما يجب عليكِ أن تتقنيه وتتفنّني به جيدًا مثل: إدراكك ووعيك، تعليمك، مكانتك الأخلاقية. فلا يجني الوقح المال إلا ويخسره بنفس السرعة.
_أتفق في: وضع قسطًا من المال في حوزة إدَّخارك، وفي الإسلام شرعًا تتمتّع المرأة بحصة مالية مستقلة لها الحق فيها كيفما شاءت، اجمعي المال كوسيلة للعيش وليس كغاية.
أثر الإعلام في تشكيل وعي المرأة بذاتها:
لم يعد الإعلام مجرد أداة خارجبة تتحدث عن المرأة، بل أصبح مرآة تُؤثر في نظرتها لذاتها، فدائمًا ما تتكرر على مسامع الفتاة منذ الصغر صور نمطية عن "الأنثى الناعمة التي يجب أن تُرضي الجميع"، ولكن في عصرنا الحالي نرى نماذج نسائية قوية على الشاشات تتحدث بثقة وتعبر عن رأيها دون خشية أو تنازلات، وتبدأ أيضًا بإعادة بناء صورتها الذاتية على أسس جديدة من الاحترام والتقدير.
ومن أمثلتهم في مجتمعنا العربي" د. هالة سمير، والإعلامية منى الشاذلي".
وفي الجانب الغربي نرى "أوبرا وينفري"، لم تخف من ماضيها، ولم تتردد في التعبير عن قضايا المرأة، الفقر، العنصرية، وتمكين الذات، فكانت قدوة في الشجاعة والتجاوز.
ماذا قال الشعراء عن المرأة؟
هناك العديد من الشعراء كانوا من أنصار المرأة أبرزهم: "نزار قباني، محمود درويش، إيليا أبو ماضي" في العصر الحديث.
وأيضًا: "عنترة بن شداد، والمتنبي" في الجاهلية.
نعرض منها بعض الأمثلة في الآتى:
1_ قال شاعر المرأة "نزار قباني". وتغنّى عن المرأة في:
_ حين تكونين معي ... يصبح الزمن طفلاً يلعب على ركبتيكِ،
ويصبح التاريخ كتابًا يُكتب من عينيكِ.
وأخرى': المرأة في الشعر لم تُختزل في وجه جميل، بل كانت قصيدة قائمة بذاتها، قصيدة لا تُقال بل تُعاش .. تُفهم حين تُحَب.
2 المرأة التي أحبّها صامتة؛ لأنها تعرف أن الصمت أجمل من الكلمات.محمود درويش
3_ وأضاف عنترة في الجاهلية:
ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهلٌ منّي، وبيضُ الهند تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيل السيوفِ لأنها لمعت كبارقِ ثغركِ المُتبسّمِ.
وقد جمع بين الحرب والحب، والسيف والشفاة
المرأة في الإسلام .. نماذج للإقتداء به:
عند مجيء الإسلام ردَّ عن المرأة طغيان السفهاء من الرجال وأعطاها حقَّها وإنسانيّتها، وأعطاها حريتها وجعل لها مكانتها في المجتمع، وقد ساوى بينها وبين الرجل في غالب الحقوق والتكاليف الشرعية فهي شقيقة الرجل، فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: "إنما النساء شقائق الرجال".
وقال تعالى -ﷻ-: "فاستجاب لهم ربهم أنِّي لا أُضيع عَمَل عـٰمِلٍ منكم مِّن ذَكرٍ أو أُنثَىٰ بعضكم مِّن بعضٍ" آل عمران (195).
وأنزل الله تعالى فيكِ أيتها المرأة سورة كاملة سمَّاها "النساء"، وأخرى سمَّاها "مريم"، والثالثة "المجادلة".
• قال العلَّامة محمد جلال الدين القاسمي:
"فالدنيا مؤنثة، والرجال يخدمونها، والأرض مؤنثة، ومنها خُلقت البرية وفيها كثُرت الذرية، والسماء مؤنثة وقد زُينت بالكواكب، وحُليت بالنجم الثاقب، والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان، والحياة مؤنثة ولولاها لم تُعرف الأجسام ولا عُرف الأنام، والجنة مؤنثة وبها وعُد المتقون وإليها شمُر المشمرون، وفيها ينعم المرسلون، وإن أول قلب خفق بالإسلام، وتألق بنوره قلب امرأة وهي سيدة نساء العالمين في زمنها، أم القاسم: خديجة بنت خُويلد" .. كل هذا يشير فقط لأهمية كلمة مؤنث وصفة أنثى كونيًا ومكانيًا.
_نماذج مؤثرة في الإسلام :
هناك الكثير من النساء الخالدة ذكراهم في التاريخ العربي الإسلامي الذين أسهموا بشكل كبير في خدمة زمنهم نتناول منها "أم المؤمنين خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-".
قضت خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها وأرضاها- في ظل رسول الله ﷺ مرحلة تقارب ربع قرن من الزمن فكانت في حياتها المباركة معه أوفى وأبرز زوجة لزوجها، وضربت مثالًا رائعًا في حياة النساء، فعندما نهض رسول الله ﷺ برسالته بشيرًا ونذيرًا ودعا قومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور، كذبوه وخذلوه في دعوته فكانت هي الصابرة بالمرصاد لهذا الخذلان، قال ابن الأثير: "أول من أسلم بإجماع المسلمين خديجة بنت خويلد، لم يتقدمها رجل ولا امرأة".
وأما عن حياتها الزوجية فيقول ﷺ: "إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد"، وفي رواية: "إني قد رُزقت حبها"، فكانت -رضي الله عنها- خير نساء زمانها وأفضل نساء أهل الجنة.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومنِّي، وبشِّرها ببيتٍ في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب" (1).
المصدر (1)←"كيف تكونين أسعد امرأة" لمسعد حسين محمد.
ختامًا .. المرأة تُمثِّل السهل الممتنع لا يفهمها جيدًا إلَّا من أحبَّها بصدق وآمن بها.
سؤال الجمهور: لم يأن الأوان أن نتوقف عن محاسبة المرأة كونها امرأة؟!
حُرِر ودُقِق بواسطة: أسماء عبده "قدر".