مفارقات القدر

مفارقات القدر .. الإنسان بين الخلق والخطيئة
كَمْ مرَّة خططنا لشيء بحماسةٍ يقبعها الولع وفاجئتنا الحياة باتجاه معاكس تمامًا؟ وكَمْ من الأماني والأحلام التي تمنَّيْناها على عَجلٍ، وأتت بعدما ذهبت زهوة الإنتظار إليها؟ قد نظن في لحظة أن ما يحدث حولنا لا معنى له، وأنَّ الحياة تسخر منَّا في كل فرصة تجدها، ونرى في النهاية أن الخطيئة الأولى كانت بدايةً لعالم لا نفقه عنه شيئًا سوى الغرابة والتناقضات، إنها مفارقات القدر. 

لماذا خلقنا اللّٰه؟
قال تعالى على لسان الملائكة: "أَتَجعلُ فيها مَنْ يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدِّماء ونحن نُسبِّح بحَمدِك ونُقدِّس لك قال إنِّي أعلم ما لا تعلمون" البقرة (30)'. 
كثيرٌ من الأحيان نتساءل عن كوننا نعيش ولا نعيش، نصل أحيانًا إلى السَّخط من كوننا مخلوقات عُجَّز، كثيرًا ما تتساءل لماذا أنا؟ وماذا عليَّ أن أفعل؟ إنها أحداث ومواقف متناقضة تجعلك تضحك من هول صدمتك للوهلة الأولى. 
نتقن رسم الطريق، ونظنُّ أنَّنا نمتلك زِمام الأمور، وفجأة يصدر القدر فَرَمانًا بإعادة الترتيب الكُلِّي والشامل للمشهد، وكأنَّه يختبر هشاشتنا أمام ما لا نملك حزمه والسيطرة عليه أو فَرمَلتِه. تكبِح آمالك إلى زاويةٍ ما وتقُل: "إنها إرادة اللَّه"، أو تسخط وتقول: "لماذا أنا يا اللّٰه؟" والحقيقة أنَّه ما خلقك إلَّا لتعبده، وتحمدَهُ في السرَّاء والضرَّاء؛ قال تعالى: "وما خلقتَ الجنَّ والإنسَ إلَّا ليعبدونِ" الذاريات (56)'.

الحكمة من سقوط آدم -عليه السلام- إلى الأرض 
في لحظات كثيرة ما تسأل نفسك لماذا الآن؟ وبعدما انطفئت اللهفة في عَينيْك، لماذا لم يُعدم قاتل ابني إلَّا بعدما قتله؟ أَعادت روحه بعدما زُهِقَت روحًا أخيرة؟! 
ونربط ذلك بقصة سيدنا آدم -عليه السلام- حين اختبره اللّٰه ﷻ وقال: "وَلَا تقربا هذه الشَّجرة فتكُونَا من الظَّالمين" البقرة (35)'. فأكلا منها في لحظةٍ من الضعف والغوى فكان الجواب، قوله تعالى: "فَبَدَت لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وطفِقَا يخصفان عليهما من ورقِ الجنَّة وعَصَى ءَادَمُ ربَّهُ فَغَوَىٰ" طَـٰهَ (121)'. 

هل يُعذِّبنا اللّٰه بخطأ واحد؟
في ظاهر الأمر يبدو وكأنَّها قسوة أو حتَّى إنها سُخرية القدر، فلماذا يُعذِّبنا اللّٰه بخطأ لم نرتكبه أو بالأحرى لماذا يُطرَد آدم من جنَّاتِ النَّعيم بسبب زلة واحدة؟ 
ويكون الجواب الجوهري العميق أن تكن هذه القصة العظيمة بمثابة البداية وليست النهاية.. البداية لخَلقٍ جديد واستخلاف في الأرض، بل ومعرفة لمعنى الرحمة والتوبة والظلم والعدل.

حين يُكافَأ الظالم ويُعاقَب البريء
منذ الوهلة الأولى نراها مفارقة مؤلمة ومهانة من القدر -إن صحَّ لنا هذا القول- مشكلتنا أنَّنا نرى الظاهر ونتغاضى عن الباطن وماهيَّتِه، نرى الظلم ظُلمًا كما هو ولا نأبَهْ لكونه قد يكون نوعًا من أنواع الرحمة في كأس الزقُّوم الذي نتخيَّله، لا نكترث للحكمة من الأحداث التي تدور حولنا، رأى سيِّدنا مُوسىٰ القتل في ماهيَّتِه قتلًا اللهمَّ أنَّه كان رحمةً من ربِّك بأبويَّ الغلام، قال تعالى: "وأما الغُلَـٰمُ فكان أبواه مؤمنَيْن فخَشَينا أن يُرهِقَهُمَا طُغيانًا وكُفرًا" الكهف (80)'. وغيرها من قصص سورة الكهف التي تعلَّمناها، فقد يكن ذلك كلَّه لاكتشاف الينابيع المظلمة في أنفسنا .. لا انتقام على زلة! 
مفارقات القدر ليست مُجرَّد أحداث متناقضة، بل هي اللغة التي تتحدَّث بها الحياة حين تريد أن تختبر هشاشتنا ومدى حساسيتنا لتيَّاراتها الجارفة، تجعلنا أبطالًا لمسرحية لم نفهمها، نؤدِّي أدوارًا لم نخترها، ونُصفِّق لنهايات لم نتوقَّعها مثل قصة مليئة بالهوى والجنون لم تكتمل وخابت بها ظنوننا وانهمرت علينا شعَفَاتها "أعاليها"، مفارقات القدر هي المرآة لحقائقنا، هي الفاضحة لغرورنا وثقتنا بالسيطرة وامتلاك زِمام الأمور .. القدر ليس له لِجامًا إنَّه فقط يُؤدِّبك كما تشاء حقيقتك. 
إنها التحقيق بعد التخلِّي والتَّرك، فمثلًا هناك من تنتظر حبيبًا يبادلها نفس الشعور بفارغ الصبر، وبعدما تدرك وتتجه لحياتها وتُزهر كما الفراشة من رَحِم زهرتها تجد ذلك الشخص يقتحم حياتها فجأة باعتراف سخيف بأنَّه يريدها، أو عندما كانت تنتظر لُقياه وتسأم من مرارة الانتظار تراه في موقف ما كأيِّ عابر سبيل، حين انتظرت رسالة من شخصٍ ما لعدَّة أشهرٍ وأتتها بعدما تناست وعاشت حياتها، وكم من وظيفة أو حُلم كنت تتبعه بالدعوات والجَلْد والكَبَد، فتراه آتِيك راكعًا بعدما تخلَّيت عنه أو نسيته من شدَّة تذكرك له، تضحك ساخرًا في وجه القدر على عِظَم البلايا التي منحك إيَّاها، وفُتَات الأماني المُتأخِّرَة، وتقول باسمًا: "إنه القدر".  

وفي النهاية، لا نملك سوى أن نبتسم في وجه القدر، راضِين بما كُتِب وَخُطَّ في سطور صحيفتنا، ربما عليك السير في الطرق الملتوية؛ لتتعلَّم أن العبث أيضًا يؤدِّي إلى المعنى والوجهة الصحيحة. 

كُتِبَ بواسطة: أسماء عبده "قدر". 
تحريرًا في 14 من أبريل 2025م.