القضية الفلسطينية بين جحيم التهجير ومخططات الاحتلال
في أرضٍ تحاصرها الدماء وتحيط بها الأسلاك الشائكة، لا تزال فلسطين تقاوم، رغم الجراح، رغم الخذلان، رغم ثقل السنين. لم تكن النكبة لحظة عابرة في ذاكرة الشعب الفلسطيني، بل كانت بداية قصة طويلة من التهجير، القتل، المحو، والنسيان المقصود.
منذ عام 1948، حين اجتاحت العصابات الصهيونية القرى الفلسطينية ورفعت أعلامها على أنقاض البيوت المحروقة، بدأ مسلسل لا نهاية له من الطرد القسري، وتفريغ الأرض من سكانها الأصليين، واستبدال الحقيقة بأسطورة مصطنعة عن شعبٍ "عاد إلى أرضه". آلاف القرى أزيلت من الوجود، ومئات الآلاف من الفلسطينيين شُردوا بلا عودة. كانت خطة "دالت"، التي نفذتها الهاغاناه بدقة، المثال الأول على تطهير عرقي ممنهج.
وبعدها جاء عام 1967، بما حمله من مرارة. النكسة، احتلال ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، القدس، الضفة، غزة، تحت سطوة الدبابة الإسرائيلية. ومنذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة من السيطرة: الاستيطان، الحواجز، الجدار العازل، والحياة التي تُسحق تحت وطأة الجنود.
وما بين أوسلو ووعود السلام، لم يكن الفلسطينيون يرون إلا مزيدًا من الجدران ترتفع، ومزيدًا من المستوطنات تتمدد، ومزيدًا من الأحلام التي تُدفن بصمت. قُسّمت الأرض كما تُقسّم الغنائم، ولم يُترك للفلسطيني إلا القليل من الهواء والكرامة.
في القدس، الحلم المُقدّس، يُطرد أهل الشيخ جراح وسلوان، تحت غطاء قانوني مشوّه. تُنتزع البيوت من أصحابها، وتُمنح للمستوطنين، كأن التاريخ لا يخص من عاشه، بل من سرقه. وفي الضفة، حيث الحواجز لا تنام، يُمنع الفلاح من الوصول إلى أرضه، ويُطلق النار على الأطفال في طريقهم إلى مدارسهم.
لكن الجرح الأكبر، غزة. ذلك الشريط الصغير المليء بالحياة والصراخ. هناك، منذ 2007، يُطبق الحصار كما يطبق الموت. ثلاث حروب، آلاف الضحايا، دمار لا يوصف. كل بيت هناك يحمل شهيدًا، كل شارع شهد قصفًا، كل طفل يعرف كيف يبدو صوت الطائرات.
ثم جاء 2025، بأسوأ ما يمكن أن يحمله من نذير شؤم. لم يكن العام قد بدأ حتى أعلن بنيامين نتنياهو عن التزامه الكامل بخطة التهجير القديمة التي وضعها ترامب، لكن هذه المرة، لم تعد على الورق فقط.
الفاعل الجديد في المشهد كان رئيس الأركان إيال زمير، رجل الحرب البارد، الذي لا يعرف سوى لغة القوة. صعد إلى المنصب وفي عينيه بريق معركة، فأعلن: 2025 سيكون عام الحسم، لا تفاوض بعد الآن. أعلن عن خطة لا تعرف الرحمة، هدفها اجتثاث حماس من جذورها، وخلق واقع جديد في غزة، واقع يخلو من سكانها، من روحها، من صمودها.
وفي الأيام الأولى من أبريل، كانت النيران تلتهم شرق غزة. حي الشجاعية والتفاح تحوّلا إلى رماد، ومعهما احترقت ملامح الحياة. لم يكن الأمر مجرد عملية عسكرية، بل كان رسالة: الأرض تُطهّر من ساكنيها. وفي غارة مروّعة على مدرسة دار الأرقم، كانت تؤوي نازحين، سقط 27 مدنيًا، معظمهم نساء وأطفال، فيما الجرحى تعدّوا المئة.
الجيش قال إنها وكر لحماس. الكاميرات قالت العكس: أحذية أطفال مقلوبة، كتب ممزقة، ودماء فوق بلاط المدرسة.
في قلب هذا الرعب، ظهرت تفاصيل أكثر فزعًا. وثيقة مسربة من وزارة الاستخبارات الإسرائيلية، كشفت عن نوايا لتهجير سكان غزة إلى صحراء سيناء، وكأن مليونين من البشر يمكنهم أن يُمحوا بجرّة قلم. ومضى الوزير المتطرف سموتريتش ليعلن عن إنشاء "إدارة للهجرة"، كأن التهجير صار مؤسسة حكومية.
الجنود يوسّعون ما سموه بـ"المنطقة الأمنية" في الشمال، يمنعون العودة، يقيمون جدرانًا جديدة. وكل ذلك في ظل دعم أمريكي غير مشروط، وتجاهل عالمي معتاد، وصمت عربي لا يكسره إلا خبر عاجل.
في غزة الآن، الحياة تقاتل لتبقى. الماء نادر، الطعام شحيح، الدواء مفقود. المستشفيات تموت ببطء، والكوابيس صارت واقعًا يوميًا.
لكن رغم كل شيء، لا أحد يرفع الراية البيضاء. لا في الشجاعية، ولا في النصيرات، ولا في رفح. لأن من عاش النكبة، لا يركع. ومن وُلد تحت الحصار، يعرف أن للكرامة ثمنًا.
ما يحدث الآن، هو محاولة اقتلاع ما تبقى من الشعب الفلسطيني، جسدًا وروحًا. ولكن من يعرف التاريخ، يعلم أن فلسطين لا تموت. تُخنق، تُعذّب، تُهجّر، لكنها لا تموت
فلسطين، بين وحشية الاحتلال وصلابة الصمود، لا تزال تقول: ما زلت هنا.
كُتِب بواسطة: عبير عشماوي.
دُقِق بواسطة: ملك سعيد.