كوب الشاي الأخير (ريا وسكينة)

كوب الشاي الأخير (ريا وسكينة)
تخيل أنك تاجر ذهب في الإسكندرية عام 1920، تجلس في السوق تراقب تجارتك، وفجأة تقترب منك امرأتان تبتسمان بلطف، إحداهما تُدعى ريا والأخرى سكينة، وتقولان لك بكل ود:
"يا عزيزتي، تعالي معنا إلى المنزل لنشرب الشاي ونتسامر قليلًا!"
وبما أن الناس في ذلك الوقت لم يكونوا قد سمعوا عن الأفلام الوثائقية عن السفاحين، فمن المحتمل أنك ستوافق دون تردد… لتكون تلك آخر مرة يراك فيها أحد!
ريا وسكينة ليستا مجرد شخصيتين من أفلام الأبيض والأسود، بل هما أشهر سفاحتين في تاريخ مصر الحديث، فقد تمكنتا من تنفيذ جرائم لم تخطر على بال أعتى المجرمين، ونجحتا في تحويل القتل والسرقة إلى مشروع عائلي مربح، ولكن كما يقول المثل: "إذا زاد الشيء عن حده... انقلب إلى زنزانة!"
ريا، المولودة عام 1875 في صعيد مصر، كانت امرأة قوية لا تخشى شيئًا سوى الفقر، بينما شقيقتها الصغرى، سكينة، التي وُلدت في 1885 في كفر الزيات، كانت صاحبة الذكاء الحاد والتخطيط الدقيق. 
بعد وفاة والدهما، قررتا الانتقال إلى الإسكندرية بحثًا عن حياة أفضل، وبدلًا من افتتاح مشروع بسيط كبائعات شاي أو صاحبات مطعم صغير، فضّلتا مشروعًا أكثر إثارة وربحًا... لكنه ينتهي بالمقصلة!
بدأت الأختان حياتهما بالعمل في تقديم المشروبات الكحولية للجنود الإنجليز، لكن بعد فترة أدركتا أن هذا المجال لا يجلب الكثير من المال؛ فقررتا البحث عن مصدر دخل أكثر استقرارًا... وبالطبع لم يكن في الحلال! اجتمعت العائلة على مائدة المفاوضات، ولكن بدلًا من التخطيط لمشروع تجاري، ناقشوا أفضل طريقة لخنق الضحايا وسرقة الذهب!
وهكذا، انطلقت العصابة التي كانت تتكون من ريا وزوجها حسب الله سعيد، وسكينة وزوجها محمد عبد العال، بالإضافة إلى شركائهما عرابي حسان وعبد الرازق يوسف. 
كان أسلوب العمل بسيطًا لكنه فعال: تذهبان إلى الأسواق، وخصوصًا "زنقة الستات" الشهيرة، تستهدفان السيدات اللاتي يرتدين الذهب، تتظاهران بالصداقة واللطف، ثم تدعوانهن إلى المنزل لتناول الشاي، وما إن تدخل الضحية، حتى يُسدل الستار على المشهد الأخير في حياتها، حيث يتم خنقها والاستيلاء على كل ما تملكه، ثم تُدفن تحت البلاط وكأن شيئًا لم يكن.

لكن لأن دوام الحال من المحال، بدأت الشرطة تتلقى بلاغات متزايدة عن اختفاء النساء، مما أثار الذعر في الإسكندرية. 
جاء التحرك الحاسم عندما أبلغ مالك أحد المنازل القديمة عن عظام بشرية وجدها أثناء الحفر، إلا أن الضربة القاضية جاءت عندما مرّ مخبر يُدعى أحمد البرقي بجوار منزل ريا، فلاحظ رائحة بخور قوية للغاية، وعندما سألها عن السبب، ارتبكت وأجابت: "إنها فقط رائحة الخمور!"
لكن الشرطة لم تكن غبية، فبدأت التحقيق، لتنهار ريّا وتعترف بكل شيء وكأنها تقدم اعترافًا حصريًا في برنامج تلفزيوني. 
في عام 1921، صدر الحكم بالإعدام على العصابة بأكملها، وقبل التنفيذ، قال محمد عبد العال جملته الشهيرة التي تكشف عن مهاراته في التفاوض حتى في اللحظات الأخيرة:
"صحيح قتلت... ولكن 15 فقط، وليس 17!"

وكأن الفرق بين الرقمين سيغير مجرى الحكم!

وهكذا، انتهت قصة ريا وسكينة، لكن ظلت حكايتهما واحدة من أغرب الجرائم في تاريخ مصر، فمن كان يتخيل أن تتحول جلسات شرب الشاي إلى كمائن قاتلة؟!

كُتِب بواسطة/ إسماعيل إيهاب.
دُقِق بواسطة/ نجوى محسب.