غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي: جرح مفتوح في ضمير الإنسانية
غزة ليست مجرد رقعة جغرافية صغيرة على خارطة العالم، بل هي جرح مفتوح في الضمير الإنساني، منذ عقود، ترزح تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي الذي لم يكتفِ بمصادرة الأرض والحقوق، بل أمعن في ممارساته الوحشية ضد أبناء هذه المدينة المحاصرة، في كل بيت في غزة قصة معاناة، وفي كل زقاق ذكرى شهيد، وبين كل نفس وآخر تختلط رائحة البحر برائحة الدم والبارود، هذا المقال ليس مجرد سردٍ للحقائق، بل هو شهادة على صمود الإنسان الفلسطيني في وجه آلة القمع الإسرائيلية.
الحصار: موت بطيء يلف غزة منذ عام 2007، فرضت إسرائيل حصارًا خانقًا على قطاع غزة، فأغلقت المعابر، ومنعت دخول المواد الأساسية، وقيدت حركة السكان، مما حول غزة إلى سجن كبير مفتوح، أُغلقت الحدود أمام المرضى الباحثين عن العلاج، وتوقفت عجلة الاقتصاد، وتدهورت البنية التحتية حتى أصبحت الحياة اليومية في القطاع معركةً يومية للبقاء.
في مستشفيات غزة، تتكدس الأجساد المنهكة، تنتظر أدويةً محظورة عنهم، فيما يموت الأطفال في حضانات المستشفيات بسبب انقطاع الكهرباء، على رفوف المحلات التجارية، تختفي المواد الأساسية، وتغدو لقمة العيش ترفًا لا يقدر عليه كثيرون، لم يكن الحصار مجرد إجراء سياسي، بل كان أداة إبادة بطيئة تهدف إلى تركيع الشعب الفلسطيني، لكنه لم يزدهم إلا إصرارًا على البقاء.
القصف والمجازر: الموت الذي يسقط من السماء لم تكتفِ إسرائيل بحصار غزة، بل شنت عليها حروبًا متكررة، استهدفت فيها المدنيين بشكل مباشر، في كل حرب، تتساقط القنابل على رؤوس الأطفال، تُدمّر البيوت فوق ساكنيها، وتتحول الشوارع إلى مقابر جماعية، آلاف الضحايا سقطوا في حروب لا تزال ذكراها محفورة في وجدان كل فلسطيني.
في كل مرة تعلن إسرائيل عن "أهداف عسكرية"، يكون الضحايا في الواقع عائلات فلسطينية بأكملها تُباد بضغطة زر، في مجزرة واحدة، استشهدت عائلة بأكملها، بما فيهم الأطفال الرضّع، ولم يبقَ منهم سوى أنقاض منزل وذكريات لم تُعش، في غزة، لا يمر يوم دون جنازة، ولا تُرفع راية بيضاء، بل ترتفع الأكف إلى السماء تسأل عن عدالة لم تأتِ بعد.
اعتقالات وتعذيب: الموت خلف القضبان لا يقتصر القمع الإسرائيلي على القتل والقصف، بل يمتد؛ ليشمل الاعتقالات العشوائية والتعذيب في السجون، يُختطف الأطفال من أحضان أمهاتهم، ويُلقى بهم في الزنازين، حيث يُحرمون من النوم، ويُجبرون على الاعتراف تحت وطأة الضرب والحرمان، في السجون الإسرائيلية، يموت الأسرى ببطء، يذبلون كما تذبل الزهور خلف القضبان، دون أن يُسمح لهم حتى بنظرة وداع لأحبائهم.
تدمير الأحلام: الأمل المغتال في غزة في غزة، كل طفل مشروع شهيد، وكل طالب جامعي مشروع مهاجر لم تُتح له الفرصة؛ ليحلق بأحلامه، في المدارس، يتعلم الأطفال وسط أنقاض الفصول الدراسية، وفي الجامعات، يدرّس الأساتذة تحت ضوء الشموع بسبب انقطاع الكهرباء، يحلم الشباب بمستقبل أفضل، لكن الحصار والقصف والموت يحيط بهم من كل جانب، ومع ذلك، ورغم كل القيود، ما زال طلاب غزة يتفوقون في دراستهم، وكأنهم يرفعون أصواتهم للعالم قائلين: "سننتصر بالعلم كما قاومنا بالصبر والصمود".
المجتمع الدولي: الصمت المخزي ورغم وضوح هذه الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحق سكان غزة، يظل المجتمع الدولي عاجزًا عن اتخاذ موقف حازم لوقف هذه المأساة، الإدانات الشكلية لا تغير الواقع، والمؤتمرات الدولية لم تنجح إلا في تدوير الأزمة دون حلها، إسرائيل تفلت من العقاب، تحتمي بحصانة دولية، بينما غزة تدفع الثمن وحدها، بصمتٍ يفضح ازدواجية المعايير في العالم.
وفي النهاية غزة لا تنحني رغم كل ما مرت به، ورغم كل ما فُرض عليها من ألم، إلا أنها لم تنكسر، في كل ركن من أركانها، تُزرع الأمل في وجه الموت، وتُبنى الأحلام وسط الركام، غزة ليست مجرد مدينة تُقصف أو تحاصر، بل هي رمزٌ للصمود، شهادةٌ على أن الإنسان الفلسطيني لا يُهزم، حتى وإن كان العالم كله يتآمر على صوته، إن ما يحدث في غزة ليس مجرد قضية سياسية، بل هو اختبار لإنسانية العالم، واختبارٌ يفشل فيه العالم مرارًا وتكرارًا.
كُتِب بواسطة/ عبير عشماوي.
تدقيق/ ملك سعيد.