القسوة
يتحول العديد من أصحاب المشاعر المفرطة إلى قساة القلوب، فلا رحمة لديهم، ينتج ذلك عن علاقة سابقة تدمرت، حيث اتُّهموا بأنهم الطرف الأسوأ، عندها يبدأ العقل بتكوين أفكار مختلفة عن البشر، مما يجعل القلب يولد مشاعر جديدة تختلف عمَّا كان عليه سابقًا، تبدأ كل المشاهد بالدوران حولهم: الظلم، الإهانة، الهيمنة، تتحول جميع المشاعر إلى شِباك تُغلِّف العين والقلب، وتنتشر كأنها عدوى داخل خلايا الجسم، يبدأ الشخص بممارسة أساليب مرضية مُورست عليه سابقًا، وتتعدَّد لديه الطرق لمهاجمة الناس بما هُوجم به سابقًا، فتجد منهم من يمارس أساليب تعذيب جسدية، وأخرى نفسية وعاطفية، محاولًا أن يجعل مَنْ حوله يشعرون بما مرَّ به.
وفي معظم الأحيان، يصاب ذلك الشخص باضطراب عقلي قد يؤدي إلى القتل، خاصةً إذا كان ذا مكانة وشأن عالٍ، عندها تتحول القسوة إلى طغيان وفجور، وحين يصل الإنسان إلى تلك النقطة، يمكنك أن تتوقع منه كل شيء: القتل، التدمير، السرقة، النهب، يتحول إلى وحش لا ينتهي شرَّه إلا بالموت، وأشهر مثال قديم على ذلك هو "هتلر"، الذي ابتكر مجازر في الحرب العالمية الثانية، أما في واقعنا، فنجد "الاحتلال الإسرائيلي" الذي يرتكب العديد من المجازر بحق أهل فلسطين، وهو أكبر مثال حيٍّ على الطغيان والفجور والجنون.
لذلك، يجب أن تفرق جيدًا بين القاسي والطاغي. فربما كلاهما سيِّئ، لكن هناك اختلافًا كبيرًا؛ فالقاسي قد يستفيق يومًا ما ويشعر بالندم على ما فعله، لكن الطاغي لا يستفيق أبدًا. عدد قليل من القساة يمكن أن يعودوا إلى أشخاص عاديين مسالمين، لكن يتبقى بداخلهم الكثير من الحزن والندم على ما ارتكبوه بحق الجميع. تجدهم يصبحون أكثر حذرًا مما كانوا عليه، وذلك لأسباب مشابهة لتلك التي حولتهم إلى قساة في المقام الأول.
الأسباب المؤدية إلى القسوة:-
1. النشأة منذ الطفولة:
فتلك هي المرحلة الأساسية في تكوين شخصية الإنسان وعواطفه، فقد ينشأ الطفل إمَّا سويًا نفسيًا أو مختلًا، وذلك بناءً على طريقة تربيته، ومن أشهرها: التربية الصارمة التي تجعل الأطفال يشعرون بالنقص، وكأنهم مجرد آلات لتلبية أحلام والديهم ورغباتهم، فينشأ الطفل في بيئة مليئة بالجفاف والمعاملة الشديدة، مما يجعله عند كِبرِه يسعى إلى تطبيق تلك القواعد التي نشأ عليها.
2. الخوف من المجهول والعاطفة:
فتلك مراحل تتوالى بالتدريج فبعد أن ينشأ الطفل على الجفاء، يصبح لديه خوف من العطف والحنان، فتجده قلقًا من الرفقة، مضطربًا الاهتمام، ويحاول بقدر الإمكان محو المشاعر والعواطف التي تتدفق داخله، مثل الحب وغيره، يبدأ بعدها بالقلق إن ظهرت هذه المشاعر؛ خشية أن يصبح أداة للاستغلال أو السخرية.
3. التجارب الحياتية والصدمات:
فبعد تكوين شخصية خائفة وقاسية، تأتي مرحلة التجارب الحياتية، وهي المنعطف الأسوأ، قد يتعرض الشخص لصدمات عاطفية، خيبات أمل، فشل، أو غيرها من المشكلات، مما يدفعه إلى القسوة والجفاء، فيبني حاجزًا بينه وبين الجميع، رافضًا التعاطف أو الثقة بالآخرين.
4. الصحبة السيئة:
فالإنسان اجتماعي بطبيعته، ومهما حاول الابتعاد، سيجتمع بمجموعة من الأشخاص، لكن القاسي يبحث عمَّن هم مثله، فتنشأ رابطة تجمعه مع القساة الآخرين، مما يجعله يألَف نقص المشاعر أكثر، ويزداد غِلظة مع الوقت.
5. التحول من الضحية إلى الجاني:
بعد العديد من التجارب القاسية، تبدأ روح الإنسان بالاختفاء تدريجيًا، يصبح كل شيء داخله مباحًا، ويشعر أن ما يفعله هو الصواب، يبدأ في ممارسة ما مُورس عليه مع الآخرين، فيتحول من ضحية إلى جانٍ ومدمِّر.
6. الاضطرابات النفسية:
تتكون داخله اضطرابات نفسية مثل: النرجسية أو السادية، فيصبح شخصًا معاديًا وعدوانيًا، لا يشعر بالذنب تجاه أفعاله، ويعتبر القسوة وسيلة طبيعية للتعامل مع الحياة.
وبهذا، يمكننا فهم كيف تتحول المشاعر إلى قسوة، وكيف يمكن أن تتطور إلى طغيان وفجور، لكن رغم ذلك، هناك أمل في أن يعود بعض القساة إلى طبيعتهم، وإن كان ذلك صعبًا.
كُتِبَ بواسطة: إسراء سعيد.
دُقِق بواسطة: أسماء عبده.